بقلم: سامح نجيب
نعيش في زمن التحولات الكبرى. فترة من النزاعات والحروب الجيوسياسية، والأزمات الاقتصادية، والانفجارات، والاضطرابات الاجتماعية، والصدمات التكنولوجية، والصراعات الأيديولوجية. فترة انتقالية بين عالم قديم لم يمت تماماً بعد، وعالم جديد يواجه ولادة مأزومة. هناك تشابهات كثيرة بين الفترة الحالية وفترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، من حيث طبيعة وشكل وخطورة الصراع الإمبريالي، ولكن هناك أيضاً اختلافات جوهرية مع تلك الفترة. التاريخ لا يعيد نفسه.
الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران ولبنان، ومن قبلها حرب الإبادة في غزة، ومن قبل كل ذلك الحرب بين روسيا والناتو على أرض أوكرانيا، هي كلها تطورات تؤكد أن ما عُرف تاريخياً بظاهرة الإمبريالية ما زال حياً يُرزق، وأن الأوهام حول تجاوز مرحلة الإمبريالية، وأن عولمة النظام الرأسمالي قد تجاوزت التنافس العسكري والجيوسياسي بين القوى الكبرى، أو أن الهيمنة الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة قد استقرت، وأنه لم يعد هناك إمكانية لصعود قوى إمبريالية كبرى تنافس الهيمنة الأمريكية، وهي كلها أفكار ظلت طاغية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وحتى الأزمة المالية الكبرى التي بدأت في 2008، قد أثبتت تطورات العقدين الماضيين سذاجة تلك التصورات.
وكما طرحنا في الجزء الأول من هذا المقال، فقد حدثت تطورات كبرى خلال العقود الثلاث الماضية، ربما كان أهمها تراجع الهيمنة المطلقة للرأسمالية الأمريكية، والصعود غير المسبوق للصين كقوة اقتصادية وصناعية وعسكرية عظمى، وأيضاً صعود ما يمكن تسميته بالإمبرياليات الإقليمية ذات المصالح الاقتصادية والجيوسياسية المتناقضة، بكل ما يعنيه ذلك من العودة إلى عالم متعدد الأقطاب، على قمته الإمبريالية الأمريكية والإمبريالية الصينية المتصاعدة، وأهم القوى الإمبريالية الإقليمية المتمثلة في روسيا، وقوى إقليمية أخرى صاعدة مثل إيران وتركيا والبرازيل والهند.
هذه التشكيلة الجديدة للتنافس الجيوسياسي تتداخل مع تحولات في شكل ومضمون الرأسمالية العالمية، وطبيعة الأزمات التي تواجهها، وتتداخل أيضاً مع تحولات تكنولوجية غير مسبوقة.
ولكن ماذا نعني بمصطلح الإمبريالية هذا؟ في أغلب الأدبيات، يتم الخلط بين الإمبريالية والتوسع الاستعماري بشكل عام. ولكن التوسع الاستعماري قديم قدم الحضارات الإنسانية، فقد لعب دوراً محورياً في زمن الإمبراطورية الرومانية، واليونانية من قبلها، والصينية والمصرية القديمة من قبلهما. ما يميز ظاهرة الإمبريالية عن التوسع الاستعماري بشكل عام، هو كونها مرتبطة بمرحلة محددة من تطور نمط الإنتاج الرأسمالي بشكل خاص. أي أنها ليست ظاهرة عابرة للتاريخ، كما هو حال التوسع الاستعماري. تتناول نظرية الإمبريالية في الأدبيات الماركسية الكلاسيكية التداخل بين نوعين من التنافس: التنافس بين الشركات الرأسمالية، وهو أحد المحركات الأساسية للتراكم الرأسمالي، والتنافس الجيوسياسي بين الدول القومية الكبرى.
يؤدي التنافس الجيوسياسي، بطبيعة الحال، إلى التوسع الاستعماري لتلك الدول الكبرى، وبالتالي إلى خلق علاقة استغلالية بين المراكز المستعمِرة ودول الأطراف المستعمَرة. وقد ركزت ماركسية العقود الأولى للقرن العشرين على جانب التنافس بين القوى الكبرى، وعلاقة ذلك بالحروب والأزمات، وهو ما سمح لمنظري الإمبريالية بفهم طبيعة الحربين العالميتين الأولى والثانية.
ولكن، مع صعود حركات التحرر الوطني في منتصف القرن العشرين، أصبح مصطلح الإمبريالية يرتبط فقط بالعلاقة بين دول “المراكز” و”الأطراف”، أو ما يسمى حالياً الشمال العالمي والجنوب العالمي. يظل هذا الجانب محورياً لفهم الرأسمالية العالمية والإمبريالية اليوم. ولكن، في هذا الجزء من هذه السلسلة، نتناول النظرية الكلاسيكية، وبالتالي نركز على التنافس الجيوسياسي والاقتصادي بين الدول والمراكز التراكمية الكبرى. (سنتناول مسألة العلاقة بين المراكز والأطراف، وهذا الجانب من نظريات التبعية والنقد الماركسي لها، في جزء قادم من هذه السلسلة).
النظرية الماركسية للإمبريالية:
كان كارل ماركس قد طرح، في المجلد الأول لكتاب رأس المال، أن هناك محركين أساسيين للتراكم الرأسمالي. المحرك الأول هو استخراج فائض القيمة من العمال في عملية الإنتاج، وإعادة ضخ جزء من ذلك الفائض في توسيع وتعميق إنتاج السلع والخدمات. والمحرك الثاني هو التنافس بين الشركات في السوق، وهو ما يدفع تلك الشركات إلى تكثيف الاستغلال وتطوير تقنيات الإنتاج. ويؤدي هذا المحرك الثاني، على المدى الطويل، إلى تركيز ومركزة رأس المال. فالشركات التي تفشل في التنافس تفلس، في فترات الأزمة، ويتم ابتلاعها من قبل الشركات الأنجح والأكبر. ومع الوقت، يؤدي ذلك إلى زيادة حجم الشركات (التركيز)، وإلى تقليص أعدادها في كل صناعة أو قطاع اقتصادي (المركزة). بمعنى أنه، مع كل دورة من دورات الإنتاج، يصبح هناك عدد أقل من الشركات، ويتضخم حجمها في السوق.
أخذ الاقتصادي الماركسي النمساوي رودولف هيلفردنج استنتاجات ماركس حول مركزة وتركيز رأس المال، وبدأ في تطوير تحليل ماركسي يسمح بفهم التحولات التي كانت قد طرأت على الرأسمالية في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وذلك في كتابه الهام “رأس المال التمويلي”، والذي صدر في 1910، أي قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بأربع سنوات فقط.
تناول هيلفردنج دور الشركات المساهمة كشكل جديد لتنظيم رأس المال، حيث تقوم الشركة المساهمة بتجميع العديد من رؤوس الأموال من خلال بيع الأسهم ودمجها وتوحيدها في تنظيم رأسمالي واحد. ومن خلال إمكانية المضاربة على الأسهم، يتم تركيز رأس المال في أيدي كبار المساهمين لدرجة غير مسبوقة. لذا، يؤدي ظهور الشركات المساهمة وانتشارها إلى تركيز كبير للقوة الاقتصادية والإنتاج الرأسمالي.
يوضح هيلفردنج كيف تؤدي مثل تلك التطورات إلى ظاهرة الاحتكار، حيث يهيمن عدد صغير من الشركات على السوق في مختلف قطاعات الاقتصاد. وسرعان ما ينتشر الاحتكار كالعدوى من قطاع إلى قطاع، ومن صناعة إلى أخرى. فعلى سبيل المثال، تواجه الشركات الأصغر المتعاملة مع شركة احتكارية ضغوطاً شديدة، إما للتحول إلى مجرد امتداد للشركة الأكبر، أو الاندماج مع شركات أخرى لتتمكن من البقاء في السوق.
ركز هيلفردنج على دور البنوك في ظاهرة الاحتكارات. فالبنوك تقوم بجمع وتركيز رأس المال المالي، ومن ثم إعادة طرحه للشركات في شكل قروض. وكان قطاع البنوك الأكثر تأثراً بالاندماجات، حيث تقلص عدد البنوك بشكل كبير، خاصة في ألمانيا. وقد سيطرت تلك البنوك الكبرى على مصادر التمويل التي تحتاجها الشركات الصناعية، ومن خلال هذه السيطرة تحولت العلاقة من الإقراض إلى الاندماج بين البنوك والشركات الصناعية، وخلق نوع جديد من رأس المال، وهو ما أسماه هيلفردنج: رأس المال التمويلي.
كان ماركس قد شرح تقسيم رأس المال إلى ثلاثة قطاعات: رأس المال الصناعي، ورأس المال المالي، ورأس المال التجاري. أما رأس المال التمويلي، الذي عرّفه هيلفردنج، فهو نتاج الاندماج الحادث أساساً بين رأس المال المالي ورأس المال الصناعي:
إن رأس المال التمويلي يمثل توحيد رأس المال. فقد أصبحت القطاعات المنفصلة من رأس المال الصناعي والتجاري والبنكي (المالي) الآن تحت سيطرة صفوة التمويل التي يتحد فيها سادة الصناعة والبنوك. إن أساس هذا التوحيد هو التخلص من المنافسة الحرة بين الرأسماليين الأفراد من قبل الشركات الاحتكارية الكبرى. إن ظهور هذا الشكل الاحتكاري الجديد لرأس المال له تأثير كبير على توسع الرأسمالية خارج أطرها القومية الأصلية. يبدأ هذا التأثير بسياسة الحماية الجمركية.
كانت الصناعات الوليدة، في عصر الرأسمالية الصناعية التنافسية، تطلب الحماية الجمركية أمام التنافس الأجنبي حتى تستطيع هذه الصناعات أن تصمد في السوق المحلي. ولكن، حين تصبح هذه الصناعات قادرة على التصدير، لا بد أن تُباع السلع المصدَّرة بسعر السوق العالمي، وتؤدي المنافسة إلى أن يتناسب السعر المحلي مع السعر العالمي. فإذا كان السعر المحلي أعلى من السعر العالمي (من خلال الحماية)، تتحول الشركات نحو السوق المحلي الأكثر ربحية، ويؤدي التنافس إلى اختفاء الفارق في السعر. وعندما يصبح السعر المحلي هو السعر العالمي، تصبح الحماية الجمركية غير مجدية.
يتغير دور الحماية الجمركية مع صعود الاحتكارات. فالشركات الاحتكارية لا يمكن أن تستفيد من وضعها الاحتكاري إلا إذا كان السعر المحلي تحت سيطرتها، وليس تحت تأثير الضغوط التي تفرضها المنافسة الأجنبية. لذا، فمع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وفي فترة صعود الاحتكارات، سنجد انتشاراً سريعاً للحماية الجمركية، بعد أن كانت هذه السياسة تتلاشى منذ منتصف القرن التاسع عشر.
استخدمت الشركات الاحتكارية الحماية الجمركية، ليس فقط لحماية إنتاجها المحلي من المنافسة العالمية، ولكن أيضاً كسلاح لغزو الأسواق العالمية. شرح هيلفردنج كيف استطاعت الشركات الكبرى دعم صادراتها من خلال الأرباح الهائلة التي تحققها في السوق المحلي، بحيث تبيع تلك الصادرات بأقل من سعر التكلفة. وتستفيد الشركات الاحتكارية بشكل مباشر من التوسع الاستعماري، لأن هذا التوسع يعني اتساع السوق المحلي الذي تنطبق عليه الحماية الجمركية، والتي تعتمد عليها هذه الشركات في تحقيق أرباح فوق عادية تمكّنها من اختراق الأسواق “الأجنبية” بأسعار أقل من التكلفة.
أدى صعود رأس المال التمويلي وهيمنته الاقتصادية إلى تغيير دور الدولة الرأسمالية. فلم يعد دور الدولة في حماية الملكية الخاصة وتنظيم السوق، بشكل عام، كافياً. وأصبح هناك احتياج إلى دولة تدخلية تفرض حماية جمركية وتوسع منطقة نفوذها الاقتصادي بالقوة العسكرية. وكان أحد انعكاسات ذلك التحول تراجع الأيديولوجية الليبرالية القديمة، وصعود أيديولوجية شوفينية قومية تبرر التنافس العسكري بين الدول. وقد لعب رأس المال التمويلي دوراً كبيراً في توحيد الطبقة الرأسمالية الحاكمة في الدول الصناعية الكبرى، وتحويل دور الدولة إلى دور تدخلي وعسكري. وقد استطاع هيلفردنج، من خلال هذا التحليل، أن يتنبأ بحتمية نشوء حرب بين القوى “الإمبريالية” العظمى في ذلك الوقت: إنجلترا وألمانيا.
جاءت النقلة التالية لنظرية الإمبريالية الماركسية على يد القيادي البلشفي الروسي نيكولاي بوخارين، والذي ركز، في كتابه “نحو نظرية الدولة الإمبريالية” (1915)، على التحول الذي حصل في دور وطبيعة الدولة الرأسمالية:
أن مركزة وتمركز رأس المال يصل إلى أقصى درجة مع رأسمالية الدولة، أي إدخال كل شيء تمامًا داخل مجال سيطرة الدولة. من أجل أن نفهم هذه الظاهرة لا بد أن نأخذ في الاعتبار اتجاهات تطور رأس المال التمويلي. هذه العملية التنظيمية التي تحتضن أفرع متزايدة من الاقتصاد القومي من خلال خلق المشاريع المشتركة ومن خلال الدور التنظيمي للبنوك قد أدت إلى تحول كل نظام اقتصادي قومي متقدم إلى احتكار رأسمالية دولة. وعلى الجانب الآخر تدفع عملية تطور قوى الإنتاج في الاقتصاد العالمي هذه النظم إلى مواجهات حادة في صراعهم التنافسي على السوق العالمي.
قدم بوخارين إذاً مفهوماً جديداً في تلك الفترة، وهو “رأسمالية الدولة”، وهو ما يعبر، ليس فقط عن اندماج رأس المال المالي مع رأس المال الصناعي، أي رأس المال التمويلي، بل أيضاً عن اندماج الأخير مع الدولة في شكل رأسمالية الدولة. تنقسم الرأسمالية العالمية، إذاً، إلى كتل احتكارية مندمجة مع دول قومية “إمبريالية”، تتصارع فيما بينها عسكرياً وجيوسياسياً لتقسيم وإعادة تقسيم العالم، بكل ما يعنيه ذلك من استعمار دموي وحروب كبرى.
يطرح بوخارين، في كتابه “الإمبريالية والاقتصاد العالمي”، أن الإمبريالية تتضمن اتجاهين متناقضين: اتجاه نحو عالمية رأس المال، واتجاه آخر نحو رأسمالية الدولة. وهذه نقطة في غاية الأهمية، إذ تشير إلى تناقض غير قابل للحل. فالتحول نحو “عولمة” رأس المال يعني المزيد من التداخل الإنتاجي والتجاري والاستهلاكي بين مختلف الرأسماليات القومية. ولكن التحول نحو رأسمالية الدولة يسير في الاتجاه المعاكس، إذ يزيد من حدة الانفصال بين الكتل الرأسمالية القومية الكبرى. والاستنتاج الذي يصل إليه بوخارين هو أنه، أولاً، لا يوجد مخرج لهذا التناقض في ظل الرأسمالية. فالمخرج المنطقي الوحيد هو توحيد الرأسمالية العالمية كلها تحت هيمنة وإدارة دولة واحدة، سواء من خلال الانتصار العسكري النهائي أو الاندماج الطوعي، وهو أمر مستحيل عملياً. وأحد أهم أسباب تلك الاستحالة هي الظاهرة التي سيتناولها لينين لاحقاً، وهي التطور غير المتكافئ للرأسمالية، فالرأسماليات القومية تنمو وتتطور بمعدلات متفاوتة، وبالتالي يتغير توازن القوة بينها باستمرار. وما يستنتجه بوخارين من ذلك هو أن الحرب الإمبريالية سمة أساسية لنمط الإنتاج الرأسمالي، ولا يمكن تجاوزها إلا بتجاوز الرأسمالية نفسها.
ويحدث هذا التطور غير المتكافئ على محورين. المحور الأول هو العلاقة بين الدول الصناعية الكبرى ودول المستعمرات:
على الرغم من أهمية التفاوتات الطبيعية في ظروف الإنتاج. فهذه التفاوتات تتراجع إلى الخلفية أكثر وأكثر مقارنة بالتفاوتات التي تنتج عن التطور غير المتكافئ بين الدول المختلفة… أن الفجوة بين المدينة والريف كانت سابقًا مقصورة على دولة واحدة. ولكن الآن يتم إعادة إنتاج هذه الفجوة على نطاق عالمي بشكل هائل. ومن هذه الرؤية “تظهر” دول كاملة كمدن وهي الدول الصناعية بينما تظهر أقطار زراعية كاملة كريف.
ولكن قانون التطور غير المتكافئ هذا ينطبق أيضاً على صعود وتراجع الدول الرأسمالية الكبرى نفسها. كانت بريطانيا وحدها القوة العظمى في منتصف القرن التاسع عشر، ولكن سرعان ما لحقت بها، بل وتجاوزتها الرأسمالية الأمريكية من جانب، والألمانية من الجانب الآخر، في نهاية القرن التاسع عشر. وبالتالي، فإن ظهور وتطور وهيمنة الدول الكبرى تظل أموراً قابلة للتغير والمنافسة والتحدي من قوى جديدة. وهو ما يجعل الحرب والتناحر الجيوسياسي قدر نمط الإنتاج الرأسمالي، وليسَا تعبيراً عن مرحلة يمكن تجاوزها من دون تجاوز نمط الإنتاج نفسه.
إن نتيجة هذا التحول في الرأسمالية، بالنسبة لهيلفردنج، هي انتقال التنافس من المجال المحلي إلى المجال الأممي. ويعني هذا، بالطبع، أن أداة هذا التنافس، أي قوة الدولة، لا بد أن تتضخم بشكل سريع. ويعتمد حسم الصراع بين الدول الإمبريالية على قوتها العسكرية، وبالتالي على البنية الصناعية التي تعتمد عليها هذه القوة. إذًا، يتحول التنافس بين الرساميل، في فترة الإمبريالية، إلى شكل من الصراعات العسكرية بين الدول القومية.
لينين ونظرية الإمبريالية:
جاء كتيب لينين الشهير “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” نتيجة لدمج وتبسيط أفكار هيلفردنج وبوخارين، ومعها أفكار الاقتصادي البريطاني جون هوبسون، وذلك بغرض وضع الأسس لاستراتيجية ثورية ملائمة لذلك التحول النوعي في الرأسمالية العالمية. وقد لخّص لينين السمات الأساسية لمرحلة الإمبريالية في خمسة عناصر أساسية. العنصر الأول هو وصول عملية تركيز ومركزة رأس المال (ماركس) إلى مرحلة جديدة تؤدي إلى هيمنة شركات احتكارية كبرى على الحياة الاقتصادية. والعنصر الثاني هو اندماج رأس المال المالي مع رأس المال الصناعي، والذي نتج عنه رأس المال التمويلي (هيلفردنج). والعنصر الثالث هو التحول من تصدير السلع إلى تصدير رأس المال (هوبسون). أما العنصر الرابع، فهو هيمنة الشركات الاحتكارية ذات الطابع العالمي وتقسيم السوق العالمي فيما بينها (بوخارين)، وخامساً وأخيراً تقسيم العالم كله إلى مستعمرات ومناطق نفوذ للدول الرأسمالية الكبرى (بوخارين).
أحد المحاور الأساسية في كتيب لينين هو تصدير رأس المال، أي انتقال رأس المال من المراكز الصناعية المتقدمة إلى البلدان والمناطق النامية. والفكرة كالتالي: يؤدي التراكم الرأسمالي في المراكز الكبرى، مع الوقت، إلى فجوة بين الإنتاج والاستهلاك، أي أن ما يُنتَج يزيد بشكل متسارع عما يمكن استهلاكه في السوق المحلي. ويؤدي ذلك إلى تراكم فائض من رأس المال لا يجد مجالاً مربحاً للاستثمار في السوق المحلي. ويصبح الحل، بالنسبة لهذا الفائض المتنامي من رأس المال، هو تصديره إلى مناطق خارج المراكز الصناعية، خاصة في مجالات استخراج المواد الخام والبنية التحتية الضرورية لإعادة تصدير تلك المواد واستيعاب الصادرات الصناعية. وتُعد استثمارات رأس المال البريطاني في الهند ومصر، على سبيل المثال، في الموانئ والطرق والسكك الحديدية، نموذجاً لتصدير رأس المال في سياق الإمبريالية.
الأرستقراطية العمالية:
كانت إحدى الإشكاليات السياسية التي واجهت الثوريين، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، هي تأييد غالبية الحركات العمالية، حتى الاشتراكية منها، لبلدانها في الحرب، والتحول من الأممية المفترضة إلى هيمنة الأيديولوجيات القومية على العمال واستعدادهم للدخول في حرب مع عمال الدول الأخرى. وقد حاول لينين استخدام نظرية الإمبريالية لتفسير هذه الظاهرة. وكانت النظرية قد شرحت كيف تؤدي المنافسة بين الاحتكارات الكبرى إلى تنافس عسكري وجيوسياسي بين الدول الرأسمالية الكبرى، وكيف يؤدي ذلك، حتمياً، إلى الحرب. ولكن كيف تتمكن تلك الدول من كسب تأييد الحركات العمالية لهذا التنافس وتلك الحروب؟ طرح لينين، على أساس بعض استنتاجات بوخارين، أن السر يكمن في الأرباح المضاعفة التي تتمكن الشركات الكبرى، في الدول الإمبريالية، من تحقيقها من خلال الفوائض التي تنتزعها من المناطق والبلدان المستعمرة. وتمكن هذه الفوائض الرأسمالية، في الدول الإمبريالية، من “رشوة” بعض قطاعات الحركات العمالية في المراكز، وبالتالي ربط مصالحها المادية المباشرة بالأهداف الإمبريالية للطبقات الحاكمة.
إذاً، فمع توحد الطبقة الرأسمالية من خلال الاحتكارات ورأس المال التمويلي، وأخيراً رأسمالية الدولة، ومع ما يعنيه ذلك من تحول من التنافس بين الشركات إلى التنافس بين الدول القومية، أصبحت هناك مصلحة مادية لقطاع من الحركة العمالية في التحالف مع الدولة البرجوازية والشركات الاحتكارية. فمن خلال احتكار الأسواق ونهب المستعمرات، خلقت الشركات الكبرى أرباحاً ضخمة مكّنتها من رفع أجور العمال الصناعيين وتحسين أوضاعهم. وإذا خسرت البرجوازية ذلك التنافس القومي، يخسر العمال تلك الميزات. وقد عرّف لينين الشريحة العمالية المستفيدة من الإمبريالية باسم “الأرستقراطية العمالية”.
ربما كانت فكرة “الأرستقراطية العمالية” نقطة الضعف الرئيسية في أطروحة لينين حول الإمبريالية. إن فكرة أن الرأسمالية تستطيع “رشوة” قطاعات من الطبقة العاملة من خلال الأرباح الفوق عادية التي تجلبها الإمبريالية، تتناقض تماماً مع المنهج الماركسي في فهم كيفية تحديد الأجر وعلاقته بالتراكم الرأسمالي. فتحتم عملية التراكم الرأسمالي على الرأسمالية أن تستخدم أكبر جزء ممكن من فائض القيمة لتوسيع القاعدة الإنتاجية، ويعني ذلك أن الرأسمالية تحاول دوماً تخفيض الأجور إلى الحد الأدنى الممكن وربطها بمستوى الإنتاجية. وإذا زادت الأرباح من خلال الإمبريالية، تستخدمها الرأسمالية ليس لرفع الأجور، بل لتوسيع وتطوير القاعدة التراكمية.
ركزت نظرية الإمبريالية الماركسية على التنافس والصراع بين الدول والشركات الرأسمالية الكبرى. ولكن، بالطبع، كان هناك محور آخر، وهو العلاقة بين الدول الاستعمارية والدول المستعمَرة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ورغم عدم تناول هذه القضية بشكل تفصيلي في أعمال لينين وبوخارين وهيلفردنج من قبلهما، فقد كانت أحد المحاور الرئيسية في بلورة الاستراتيجية الثورية مع تأسيس الأممية الشيوعية في 1918. فالحرب العالمية الأولى مهدت الطريق لموجة عمالية ثورية في الدول المركزية من جانب، ولسلسلة من ثورات التحرر الوطني في المستعمرات، مثل أيرلندا ومصر والهند، من الجانب الآخر. وقد اعتبر لينين أن انتصار الثورة الاشتراكية في المراكز لن يتحقق من دون انتصار ثورات التحرر الوطني في المستعمرات. وهذا ليس فقط لأن حركات التحرر الوطني تضعف القوى الإمبريالية المستعمِرة، ولكن أيضاً لأن التضامن معها يساهم في كسب العمال للأممية، وفي تحريرهم من هيمنة الأيديولوجيات الشوفينية والعنصرية السائدة. ومن المهم، في هذا السياق، أن نذكر الدور الكبير الذي لعبته قيادات ماركسية من المستعمرات في صياغة استراتيجية الأممية الشيوعية تجاه حركات التحرر الوطني. فعلى سبيل المثال، دفع الثوري الماركسي الهندي منابندرا ناث روي إلى إعادة صياغة “أطروحات حول المسألة القومية والاستعمارية”، التي تبناها مؤتمر الأممية الشيوعية في 1920، وذلك بعد نقاشات مطولة بين روي ولينين وغيرهما من قادة الأممية. (لعب روي دوراً محورياً في تأسيس الحركة الشيوعية في المكسيك بين 1917 و1918، وفي تأسيس الحزب الشيوعي الهندي في 1920).
روزا لوكسمبورج
ربما كان إسهام روزا لوكسمبورج في السجالات الماركسية الكلاسيكية حول الإمبريالية هو الأكثر تركيزاً على محورية التوسع الاستعماري كعنصر لا غنى عنه لبقاء وإعادة إنتاج نمط الإنتاج الرأسمالي. طرحت لوكسمبورج، في كتابها “تراكم رأس المال”، أن التطور الرأسمالي يؤدي بالضرورة إلى تراكم فائض غير قابل لإعادة الاستثمار داخل المراكز الرأسمالية. فالاستهلاك في تلك المراكز يتضائل مقارنة بالزيادة الدائمة في الإنتاج التي يحدثها التوسع التراكمي. وتكون النتيجة تضاؤل فرص الاستثمار الجديدة المربحة. وتصبح الوسيلة الوحيدة لتجنب انهيار معدلات الربح هي الخروج بهذه الاستثمارات خارج المراكز، نحو المستعمرات والمناطق التي لم يتم استيعابها بعد في نمط الإنتاج الرأسمالي. أي أن ما طرحته لوكسمبورج هو أن التراكم الرأسمالي لا يمكن أن يستمر في المراكز في غياب مناطق غير رأسمالية يمكن لرأس المال أن يتوسع فيها، وبالتالي يتم استيعاب فائض الاستثمارات التي لا تجد مجالاً مربحاً في المراكز.
قام تحليل لوكسمبورج على نقد ما طرحه كارل ماركس، في المجلد الثاني لكتاب “رأس المال”، حول إعادة الإنتاج الموسع لرأس المال. طرح ماركس نموذجاً يسمح باستيعاب الرأسمالية، في دوراتها المتتالية، لكل فوائض الإنتاج، ما بين الاستهلاك المباشر وما أسماه الاستهلاك الإنتاجي. انتقدت لوكسمبورج هذا الاستنتاج، واعتبرت أن الاستهلاك الرأسمالي غير قادر على استيعاب الفائض المتنامي للإنتاج الرأسمالي. ويعني ذلك ضرورة إيجاد مخرج لذلك الفائض، وبالتالي التوسع والصراع الإمبريالي.
وعلى الرغم من وصفها العبقري لعلاقة المراكز الرأسمالية بدول الأطراف، فقد تعرضت نظريتها لنقد لاذع على يد بوخارين، الذي دافع، محقاً، عما طرحه ماركس حول إعادة الإنتاج. فقد طرح، أولاً، أن استيعاب الفائض لا يكون من خلال الاستهلاك المباشر فقط، بل أيضاً من خلال إعادة الاستثمار في السلع الإنتاجية، أي الاستهلاك الإنتاجي. وهكذا يتم استيعاب الفوائض دون الحاجة إلى عالم خارجي (لا رأسمالي). بل إن حركة الاستثمارات بين الإنتاج من أجل الاستهلاك المباشر والإنتاج من أجل الاستهلاك الإنتاجي تحددها معدلات الربح. وطرح بوخارين، ثانياً، أن حركة الاستثمارات الخارجية لم تكن فقط إلى المناطق والبلدان في أطراف النظام، بل أيضاً بين المراكز الرأسمالية المختلفة.
تناولت نظريات الإمبريالية الكلاسيكية تطور الظاهرة حتى ثلاثينات القرن الماضي، مع إضافات هامة لكل من ليون تروتسكي، وإيفجيني بريوبرازنسكي، وغيرهما. ولكن عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية كان عالماً مختلفاً، بشكل نوعي، في شكل التوسع والتنافس الإمبريالي، وفي أساليب الهيمنة الاقتصادية والجيوسياسية.
من الهيمنة البريطانية إلى الهيمنة الأمريكية
اعتمدت الهيمنة البريطانية، في القرن التاسع عشر، على مراكزها الصناعية، وفي القلب منها صناعات النسيج والفحم والحديد، والأرباح الضخمة التي كانت تحققها. وعلى الرغم من أن الذهب كان النقد العالمي، فإن الذهب وقيمته وتجارته كانت مرتبطة عضوياً بالبنوك البريطانية والجنيه البريطاني. وكانت جميع الدول، سواء المراكز الصناعية أو الأطراف الزراعية، تخضع للهيمنة المالية لبنوك مدينة لندن.
ولكن النظام نفسه الذي فرضته الإمبريالية البريطانية على العالم فتح المجال لظهور منافسين. فقد فرض ذلك النظام على الجميع محاولة التصنيع والتحول إلى مراكز تراكمية جديدة قادرة على البقاء في ظل الهيمنة البريطانية. وظهر ذلك في الصعود السريع لألمانيا كمركز صناعي كبير. وسرعان ما تحول التنافس بين ألمانيا الصاعدة وبريطانيا المهيمنة إلى أحد العوامل الرئيسية في إشعال الحربين العالميتين. فقد قامت الهيمنة البريطانية، خلال القرن التاسع عشر، على وضعها كأول مركز للتراكم الرأسمالي الصناعي. ولكن مع صعود الولايات المتحدة وألمانيا كمراكز منافسة للتصنيع الرأسمالي، دخل العالم مرحلة جديدة من الصراع على الهيمنة، سرعان ما تحولت إلى صراع عسكري.
ومع الصعود الصناعي لألمانيا، انقسمت الطبقة الحاكمة الألمانية حول أفضل خطط التوسع: هل تبني إمبراطورية استعمارية، وبالتالي تدخل في صراع مع بريطانيا وفرنسا؟ أم تخلق منطقة نفوذ اقتصادي وصناعي في وسط وشرق أوروبا، وبالتالي تدخل في صراع مع روسيا، المتحالفة في ذلك الحين مع فرنسا؟ وفي كلتا الحالتين، كانت المواجهة العسكرية حتمية. وانتهى الأمر، مع الحرب العالمية الأولى، إلى دفع بريطانيا وفرنسا للتحالف مع روسيا في مواجهة التحدي الألماني.
ولكن العملاق الاقتصادي الآخر الذي ظهر إلى جانب ألمانيا كان الولايات المتحدة، التي سرعان ما أصبحت المنافس الرئيسي لألمانيا وبريطانيا معاً. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت المنافسة قد حُسمت لصالح الولايات المتحدة، على الرغم من صعود التحدي العسكري والجيوسياسي السوفيتي، الذي لم يشكل يوماً تحدياً اقتصادياً للإمبريالية الأمريكية.
كانت المؤسسات الاقتصادية التي أسستها الدولة الأمريكية لإدارة هيمنتها على الاقتصاد العالمي، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، هي الاتفاق العام للتعريفات والتجارة (الجات)، الذي تم التوقيع عليه في عام 1947، والبنك والصندوق الدوليان، اللذان تأسسا في عام 1944 كجزء من اتفاق بريتون وودز. لعبت هذه المؤسسات الدور الأكبر في ترسيخ دور الدولار الأمريكي كعملة عالمية وحيدة، وظلت الدولة الأمريكية متحكمة بالكامل في هذه المؤسسات. وبالطبع، كان الناتو الذراع العسكرية لحماية هذه الهيمنة من التهديد السوفيتي خلال فترة الحرب الباردة.
كان التحكم الأمريكي في استخراج النفط وتجارته عالمياً أحد محاور الهيمنة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، خاصة مع زيادة اعتماد اليابان وأوروبا الغربية على النفط المستورد كمصدر رئيسي للطاقة. وفي يناير، أعلن الرئيس جيمي كارتر ما عُرف بمبدأ كارتر: “أي محاولة من أي قوة خارجية للسيطرة على الخليج الفارسي ستُعتبر تعدياً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم صده بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك القوة العسكرية”. وقد ظل هذا المبدأ محوراً رئيسياً للسياسة الخارجية الأمريكية، بل ولغالبية تدخلاتها العسكرية منذ ذلك الحين.
ما كانت تحتاجه الشركات الرأسمالية الكبرى في العصر الأمريكي، سواء قبل الحرب الباردة أو بعدها، لم يكن التوسع الاستعماري المباشر، بل شكلاً مؤسسياً للاقتصاد العالمي يسمح لها بالتوسع المالي والإنتاجي عالمياً، إلى جانب القوة العسكرية والجيوسياسية الحامية لهذا التوسع. وكان التداخل بين المصالح الاقتصادية لهذه الشركات والمصالح الجيوسياسية للدول الكبرى هو ما ميز المرحلة الأمريكية من الإمبريالية.
الإمبريالية الأمريكية والنظام التمويلي العالمي
يمكننا اعتبار صعود رأس المال التمويلي في بدايات القرن العشرين بمثابة الموجة الأولى مما يُعرف اليوم بالأمولة، حيث اندمج رأس المال المالي والصناعي، وتداخل التنافس بين الكتل الرأسمالية مع التنافس الجيوستراتيجي بين الدول الكبرى.
لكن “أمولة” القرن الحالي تختلف كثيراً عن تلك الموجة الأولى، وإن كان المنهج الماركسي المستخدم لفهم جوهرها هو ذاته. فالمحرك الاقتصادي الرئيسي في القرن الحالي هو الشركات الرأسمالية الاحتكارية الكبرى ودورها في خلق وتسيير المنظومة العالمية للتمويل. والأمولة اليوم ليست تحول تلك الشركات إلى بنوك أو بنوك ظل، بل تحولاً في الأشكال التي تمول بها تلك الشركات استثماراتها، وكيفية توزيع أرباحها، وعلاقة ذلك كله بالدول الكبرى. فهذه الشركات العملاقة تمول استثماراتها من أرباحها التي يتم تكديسها في صناديق تمويل مؤقتة. وقد تضخمت هذه الصناديق خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وسمحت للشركات غير المالية بالمشاركة في أسواق القروض قصيرة المدى.
وتتميز المرحلة الحالية من الأمولة بدرجة كبيرة من استقلال المؤسسات غير المالية، أي غير البنوك وبنوك الظل، عن المؤسسات المالية التقليدية، إلى جانب تكيف المؤسسات المالية مع هذا التغير. إذاً، فهناك تحول في طبيعة الشركات الرأسمالية والبنوك وغيرها من المؤسسات المالية. وهذا التحول مرتبط بالاتجاه العام نحو الأشكال الجديدة للتمويل.
لا يمكننا فهم المرحلة الحالية من الإمبريالية من دون فهم أمولة الشركات العملاقة من جانب، وتغير شكل ودور المؤسسات المالية في هذا الإطار من جانب آخر. فهذه الشركات العملاقة لها مصالح في كل أنحاء العالم، بما في ذلك الفضاء الخارجي. لكنها لا تسعى إلى توسع قومي مباشر، رغم مرتكزاتها وأصولها القومية. وما تحتاج إليه هذه الشركات هو قوة الدولة القادرة على إدارة وإنفاذ قوانين الاستثمار والإنتاج والتجارة والإقراض وحركة النقد دولياً، بما يسمح لها باستخراج الأرباح من مختلف بقاع الأرض. وكان من أهم العوامل التي مكّنت الولايات المتحدة من تشكيل وإدارة وتوجيه النظام المالي العالمي تحكمها في العملة العالمية، أي الدولار.
تزامنت فترة الأمولة في الاقتصاد الأمريكي مع الانتشار الواسع لشبكات الإنتاج العالمية، أو ما سُمي بسلاسل القيمة العالمية، وقد لعبت الشركات الأمريكية متعددة الجنسية دوراً مركزياً وقائداً في هذا التحول. وعلى عكس فترات سابقة من الإمبريالية، تميزت المرحلة الأمريكية، خاصة منذ نهاية الحرب الباردة، بعولمة الإنتاج الصناعي، وليس فقط عولمة التجارة والتمويل. ومع نهاية هذه المرحلة، برزت إلى السطح شروخ وانقسامات حادة حول تداخل الإنتاج عالمياً، إلى جانب تداخل التمويل وتناقضات دور الدولار كنقد عالمي.
أشكال من الإخضاع
عندما تهيمن الشركات الرأسمالية على مجال الإنتاج في دولة ما، سواء في الأطراف أو المراكز، تتم، بشكل دوري، إعادة توزيع الاستثمارات طبقاً لحركة الأسعار في السوق المحلي. ويصبح الاقتصاد المحلي موحداً بفعل إعادة توزيع وسائل الإنتاج وقوة العمل على مختلف القطاعات الاقتصادية، مما يوحد بدوره معدلات الربح في الاقتصاد المحلي.
أما الاقتصاد العالمي، فيختلف بشكل نوعي عن الاقتصاد المحلي. فالتنافس هنا ليس فقط بين شركات رأسمالية تبحث عن الربح، بل بين كتل مختلفة من رأس المال ودول قومية متنازعة. ويمكننا أن نرى بوضوح كيف تعمل الإمبريالية والهيمنة من خلال التفاعل بين آليات السوق العالمي وآليات السوق المحلي. وهذا التفاعل هو ما يحدد درجات الهيمنة والخضوع بين مختلف الدول.
وقد تحولت الاستثمارات العابرة للحدود من شكل الاستثمار الأجنبي المباشر في مشاريع إنتاجية أو خدمية، إلى شكل تمويل المحافظ الاستثمارية ذات الطابع قصير المدى، والمركز على أسواق الأوراق المالية والعملات وأذون الخزانة. وهو ما شكّل مصدراً كبيراً لعدم الاستقرار في بلدان الجنوب العالمي. وقد انعكست سهولة دخول وخروج هذه الاستثمارات، وحساسيتها الشديدة للأزمات الجيوسياسية، في أزمات مالية واقتصادية طاحنة، وانهيارات في العملات المحلية، بكل ما يعنيه ذلك من تضخم في الأسعار وارتفاعات حادة في نسب البطالة.
وكان ما سُمي بـ”إجماع واشنطن” هو السلاح الذي استُخدم لفرض التحول نحو العولمة والليبرالية الجديدة على سياسات الدول الأفقر، من خلال القروض المشروطة، التي رحبت بها الطبقات الحاكمة في تلك البلدان، بل ونظّر لها مثقفو هذه الطبقات، وأغلبهم من خريجي الجامعات الأمريكية والبريطانية، مما ساهم بالتالي في تثبيت الهيمنة الأمريكية. وهكذا تم إدماج تلك الدول بالكامل في الهرم التمويلي ذي القمة الأمريكية.
وبالطبع، وكما في أي نظام ذي شكل هرمي، فهناك مستويات متفاوتة من الخضوع للدولار الأمريكي.
في فترات الأزمات، على سبيل المثال، يكون لدى مجموعة من الدول الغنية الحليفة للولايات المتحدة، مثل اليابان وسويسرا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، صلاحية الحصول على ضمانات دولارية ضخمة (من خلال نظام السواب) من الاحتياطي الفدرالي الأمريكي. أما الدول خارج هذه الدائرة، فيكون الحل الوحيد لها، في فترات الأزمات، هو امتلاك تراكم ضخم من أذون الخزانة الأمريكية، وهو ما يكون، بالطبع، على حساب الاستثمارات الإنتاجية والتنموية.
عليك فقط أن تحسب الفجوة بين سعر الفائدة على العملة المحلية وسعر الفائدة على الدولار الأمريكي حتى تعرف موقع تلك الدولة في التدرج الهرمي للسلطة المالية عالمياً (حوالي 4% في حالة البرازيل والهند والمكسيك، وأعلى بكثير في حالة الرأسماليات الفاشلة، مثل مصر وباكستان والأرجنتين وغيرها). هذه الفجوة تخلق طبقة من المستثمرين الذين يقترضون بالدولار الأمريكي (بسعر فائدة منخفض نسبياً)، ويستثمرون هذه القروض في شراء أذون خزانة الدولة بعملتها المحلية (ذات سعر الفائدة الأعلى بكثير نسبياً)، وهو ما يكون، بالطبع، على حساب أي استثمارات إنتاجية أو خدمية، لصالح هذا النوع من المضاربة.
وهذا النوع من الاستثمار ليس حكراً على المستثمر الأجنبي، بالطبع، بل تتربح منه كتلة هامة من كبار الرأسماليين المحليين، الذين تتداخل ثرواتهم مع دوائر التمويل العالمية، بما يزيد من تآكل الاستثمار في المجالات الصناعية والخدمية والتنموية.
تناقضات المرحلة الحالية
كان التوقع، في تسعينات القرن الماضي، هو أن الإمبريالية الأمريكية، بعد انتهاء الحرب الباردة، قادرة وحدها على تنظيم وإدارة وفرض النظم والقوانين التي تمكّن تلك الشركات العملاقة من الاستمرار في التراكم والنمو وجني الأرباح. ولكن، وكما كان الحال في نهاية فترة هيمنة الإمبريالية البريطانية في بداية القرن العشرين، فنحن نعيش في عالم متعدد الأقطاب من جديد. وكانت لحظة الهيمنة شبه المطلقة للإمبريالية الأمريكية في تسعينات القرن الماضي مجرد لحظة عابرة. بل إن الأمولة وعولمة الإنتاج والتجارة، التي أشرفت عليها الإمبريالية الأمريكية منذ التسعينات، هي ذاتها ما سمح بظهور منافسين جدد، وعلى رأسهم الصين.
جاءت بداية نهاية عالم القطب الأوحد والهيمنة الأمريكية المطلقة مع أزمة الركود الكبير بين 2007 و2009، وتأكدت هذه النهاية مع أزمة وباء كوفيد واندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وظهر، منذ ذلك الحين، العملاق الصيني ليتحدى الرأسمالية الأمريكية في مجال تلو الآخر.
ويختلف التحدي الصيني للهيمنة الأمريكية عن التحدي الذي شكله الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. فقد اقتصر التحدي السوفيتي على التنافس العسكري، وليس الاقتصادي، في حين أن التحدي الصيني اقتصادي وصناعي في جوهره، ولذلك يخلق شكلاً من النزاع حول الهيمنة يشبه ما كان عليه التنافس الإمبريالي قبيل الحرب العالمية الأولى. وربما كانت إحدى التناقضات الكبرى في حقبة الهيمنة الأمريكية هي أنها مكّنت الصين من التحول إلى مركز عملاق ومستقل للإنتاج والتراكم الرأسمالي.
ولكن مرحلة الصعود الصيني والتراجع الأمريكي مليئة بالتناقضات الخطيرة التي لا يبدو أن لها أي حلول “سلمية”. إن صعود الصين، منذ بداية هذا القرن، وتحولها إلى قوة صناعية واقتصادية عظمى، وبالتالي قوة عسكرية عظمى، يمكن مقارنته بالصعود الألماني الذي بدأ في 1870 وانتهى بعد حربين عالميتين في 1945.
وعندما تشكل النظام القائم على هيمنة الدولار في 1945، كانت الولايات المتحدة مسؤولة وحدها عن إنتاج ما يقرب من نصف الإنتاج الصناعي عالمياً. وما يميز المرحلة الحالية من هيمنة الدولار هو التراجع الكبير للوزن التجاري والصناعي الأمريكي اليوم (أقل من 20%)، وعلى الرغم من ذلك، تظل الولايات المتحدة تسيطر على المجال النقدي والبنية التحتية للنظام التمويلي العالمي.
وسطوة الدولار العالمية لا تنطبق فقط على دول الجنوب العالمي. فاليورو، على سبيل المثال، يمثل أقل من 20% من الاحتياطي النقدي العالمي، والين الياباني أقل من 4%، وذلك رغم الوزن الصناعي الكبير لكل من اليابان وألمانيا.
ويظهر حجم التناقض بشكل أوضح عندما ننظر إلى الحالة الصينية بشكل خاص. فكما تناولنا في الجزء الأول من هذه السلسلة، تمثل الصناعة الصينية اليوم أكثر من 35% من إجمالي الناتج العالمي، وما يقارب 20% من الصادرات الصناعية عالمياً. أما العملة الصينية، الرنمنبي، فتشكل أقل من 3% من الاحتياطات النقدية العالمية. وأكثر من نصف التجارة العالمية يتم بالدولار الأمريكي، مقارنة بأقل من 5% في حالة الرنمنبي. ورغم الحجم الضخم للاقتصاد الصيني وقاعدته الصناعية، فلا يوجد دور لأذون خزانة صينية في الاقتصاد العالمي، على عكس الدور المهيمن لأذون الخزانة الأمريكية.
لعب الدولار وحده دور النقد العالمي- يعكس هذا الدور القدرات المؤسسية والعسكرية للدولة الأمريكية. ويستمر ذلك الدور رغم التراجع النسبي لتلك القدرات. وتلعب عملات مثل اليورو والين والفرنك السويسري والجنيه البريطاني أدواراً ثانوية ذات طابع إقليمي.
وفي الفترة بين 1999 و2019، كانت ثلاثة أرباع الصادرات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وأكثر من 95% من الصادرات في الأمريكتين، تتم بالدولار الأمريكي. وتأتي قوة الدولار الهائلة من التداخل والاعتماد المتبادل بين دوائر الإنتاج ودوائر التمويل.
هذا التناقض لا ينطبق فقط على الحالة الصينية، بل حتى على المراكز الكبرى الأخرى، مثل الهند وروسيا والبرازيل. لقد تحول العالم إلى عالم متعدد الأقطاب على المستوى الإنتاجي والتجاري، ولكن ما زالت الولايات المتحدة تنفرد بالسيطرة التمويلية من خلال الدولار. ويرتكز التحدي الصيني الصاعد للهيمنة الأمريكية على محاولة تقليص قدرة الدولة الأمريكية على فرض شروطها على شكل السوق العالمي، بمكوناته الإنتاجية والتكنولوجية والتمويلية والتجارية، لمصلحة الشركات الأمريكية العملاقة من جانب، والمصالح الجيوسياسية للدولة الأمريكية من جانب آخر. ولكن ليس لدى الصين طريق واضح لتقليص النفوذ الأمريكي، وليس لدى الولايات المتحدة وسيلة واضحة للحفاظ على ذلك النفوذ سوى القوة العسكرية.
وينكشف هذا التناقض نفسه في حالة الهيمنة العسكرية والجيوسياسية للولايات المتحدة. فما زالت القدرات العسكرية الأمريكية هي الأكبر والأقوى عالمياً، ولكن الفجوة بينها وبين القوى الأخرى تتلاشى سريعاً. ويقارب الإنفاق العسكري الأمريكي تريليون دولار، من إجمالي عالمي يقارب 2.8 تريليون دولار. ولكن هناك سباق تسلح جديد، فالإنفاق العالمي على السلاح يرتفع بنسبة 10% عالمياً. وما زال الإنفاق العسكري الصيني يبلغ حوالي 300 مليار دولار، لكنه مرشح للتضاعف في السنوات القادمة.
في بداية القرن العشرين هيمنت البنوك على الشركات الصناعية الكبرى من خلال الاندماج في شكل رأس المال التمويلي. أما اليوم تغير شكل التداخل بين القطاعين، بحيث أصبحا معاً قطبي الاقتصاد العالمي. المفترض بالنسبة للقطاعين هو سوق عالمي يتجاوز كافة الحدود بين الدول القومية ولكنه يفتقد لأي سلطة سياسية موحدة (التناقض الجوهري غير قابل للحل الذي تحدث عنه بوخارين منذ أكثر من قرن). يحتاج إعادة إنتاج هذا النظام العالمي (المالي والانتاجي) إلى شكل مقبول من الجميع من أساليب الدفع والإقراض والبنية القانونية والمؤسسية وخلف ذلك كله القوة العسكرية الضامنة لالتزام الجميع بهذا النظام. هذا هو دور القوة المهيمنة في ظل الإمبريالية الأمريكية. ولكن التراجع النسبي لحجم ومركزية الصناعة الأمريكية في ظل الصعود الصيني، يزلزل تلك البنية التحتية التي ظلت مستقرة تحت الهيمنة الأمريكية لعقود، دون ظهور أي بدائل قادرة على لعب نفس الدور.
هناك تناقض بنيوي يزداد خطورة. فهناك عدد من المنافسين الصاعدين للهيمنة الأمريكية، وعلى رأسهم الصين. وقد أصبحت هذه الدول، بدرجات متفاوتة، مراكز تراكمية ضخمة ذات قدرات إنتاجية وعسكرية كبيرة ومتزايدة، وقادرة على مقاومة التبعية أو الخضوع للهيمنة الأمريكية. ولكن، على الرغم من ذلك، تظل تلك القوى مضطرة للخضوع المالي والتمويلي أمام استمرار السيطرة الأمريكية ومركزية الدولار.
وتضع هذه التحولات الإمبريالية الأمريكية في مأزق غير مسبوق. فهي في سباق محموم لحماية هيمنتها، من خلال استخدام تفوقها التمويلي والعسكري الحالي، الذي تدرك جيداً أنه يتآكل سريعاً.
ويسمح لنا هذا المنظور بفهم تطورات السنوات القليلة الماضية، مثل الحرب الروسية في أوكرانيا وتخبط السياسة الأمريكية تجاهها، وفي الوقت نفسه عجزها، لا عن حسم الحرب لصالح أوكرانيا في فترة بايدن، ولا عن وقف الحرب وجذب روسيا بوتين بعيداً عن الصين في فترة ترامب. كما نستطيع أن نفهم إشراف ومشاركة الولايات المتحدة في حرب الإبادة في غزة، بعد أن كانت، في السابق، تضع حدوداً لإجرام الكيان الصهيوني، على الأقل فيما يتعلق بالإبادة والتهجير. وربما يساعدنا هذا المنظور أيضاً في فهم الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران ولبنان، ليس فقط من حيث استعداد الإدارة الأمريكية لمثل هذه المجازفة، التي يحرض عليها نتنياهو منذ التسعينات، ولكن أيضاً، وكما في الحالة الأوكرانية، من حيث عجزها عن الحسم أو الانتصار بأي معنى من المعاني. وربما تكون المعارك حول مضيق هرمز بداية سلسلة من المعارك والنزاعات حول المضايق التجارية الحيوية الأخرى عالمياً، مثل السويس وبنما وملقا وباب المندب وغيرها.
نعيش، إذاً، في لحظة شديدة الخطورة. ولعل تطورات مثل إعادة تسليح وعسكرة ألمانيا واليابان، من جانب، وصعود اليمين الشعبوي والفاشي في بلدان المراكز، من جانب آخر، هي إشارات لما يمكن أن يكون قادماً في الربع الحالي من هذا القرن. ولكن، على الجانب الآخر، فكما كان الحال في فترة الحرب العالمية الأولى وما أعقبها، فنحن أمام فرص سياسية هامة لليسار الثوري. لقد تراجعت بشدة الأيديولوجيات البرجوازية حول المساواة وحقوق الإنسان والعولمة وحرية السوق، أمام همجية الإبادة والعنصرية الصاعدة، ليس فقط تجاه فلسطين، ولكن أيضاً تجاه المهاجرين الذين يتم إغراقهم على السواحل الأوروبية، وقتلهم واعتقالهم في معسكرات على الحدود الأمريكية المكسيكية، وغيرها الكثير. وهناك أجيال جديدة غاضبة، وباحثة من جديد عن أفكار ثورية وسبل للنضال ضد كل هذا القبح. والسؤال التاريخي يطرح نفسه من جديد: ما هي القوى الاجتماعية القادرة على وقف هذا الجنون وصياغة بديل حقيقي لرأسمالية تقودنا جميعاً إلى الهاوية؟ ومن العجيب والمخيف أن مقولة روزا لوكسمبورج، منذ أكثر من قرن، لا تزال تنطبق على اللحظة التي نعيشها اليوم:
نقف اليوم، كما تنبأ فريدريك انجلز منذ أكثر من جيل، أمام اختيار مخيف: إما انتصار الإمبريالية وتدمير الحضارة بالكامل، وكما حدث في روما القديمة- الانهيار السكاني، والخراب والتحول إلى مقبرة كبرى، أو انتصار الاشتراكية- أي النضال الواعي للبروليتاريا العالمية ضد الامبريالية وضد منهجها وضد الحرب.





