يصدر هذا العدد الثاني من أوراق اشتراكية في لحظة تتكثف فيها التناقضات على نحو أكثر حدة مما بدا عليه الحال قبل شهور قليلة فقط. ليس لأن العالم تغيّر فجأة، بل لأن خطوط الصدع التي أشرنا إليها في العدد الأول لم تعد كامنة أو مؤجلة، بل صارت أكثر وضوحًا، وأكثر عنفًا، وأكثر حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية لملايين البشر في منطقتنا وخارجها.
إذا كان العدد الأول قد حاول أن يضع إطارًا عامًا لفهم التحولات الكبرى في الرأسمالية المعاصرة، فإن هذا العدد يتتبع تجلياتها في الواقع اليومي: في المدينة، في سوق العمل، في الخطاب السياسي، وفي أشكال الوعي التي تُعاد صياغتها يوميًا تحت ضغط الأزمة.
في قلب هذا العدد يقف سؤال التراكم الرأسمالي، لا باعتباره مفهومًا نظريًا مجردًا، بل كعملية مادية تعيد تشكيل الحيز العمراني والاجتماعي. ما نراه اليوم من توسع عقاري هائل، ومشروعات بنية تحتية ضخمة، ليس مجرد “تنمية” بالمعنى المحايد، بل تعبير عن انحيازات طبقية واضحة، حيث يُعاد توجيه الموارد العامة نحو قطاعات عالية الربحية، بينما تتفاقم أزمة السكن بالنسبة للأغلبية. هنا لا يعود السؤال: لماذا لا تُحل الأزمة؟ بل: كيف يُعاد إنتاجها بوصفها شرطًا لاستمرار التراكم نفسه.
هذا يقودنا مباشرة إلى موقع الطبقة العاملة، التي لم تختفِ كما ادعت بعض السرديات، بل أعيد تشكيلها وتفكيكها وإعادة تركيبها تحت وطأة سياسات الليبرالية الجديدة. نحن أمام طبقة أكبر عددًا، وأكثر هشاشة، وأقل حماية، لكنها في الوقت نفسه تواصل إنتاج أشكال مقاومة متجددة، حتى في ظل القمع وتفكيك التنظيمات. التناقض هنا واضح: كلما تعمق الاستغلال، اتسعت إمكانيات الانفجار، لكن دون ضمانات سياسية أو تنظيمية لتحويل هذا الغضب إلى مشروع تغيير.
وفي موازاة ذلك، يتصاعد خطاب الكراهية بوصفه أداة سياسية واعية. ليس التحريض ضد اللاجئين أو “الغريب” انفعالًا عابرًا أو مجرد تعبير عن أزمة هوية، بل جزء من استراتيجية لإعادة توجيه الغضب الاجتماعي بعيدًا عن جذوره الحقيقية. حين يُطلب من المقهور أن يرى في من هو أكثر هشاشة عدوًا، فإننا نكون أمام واحدة من أقدم أدوات السيطرة الطبقية، وأكثرها فعالية. بهذا المعنى، لا يمكن فصل معركة الوعي عن معركة الخبز، ولا مواجهة العنصرية عن مواجهة البنية التي تنتجها.
لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود الاقتصاد والسياسة المباشرة، بل تمتد إلى المجال الأخلاقي نفسه. الفضائح التي تهز النخب العالمية، والتواطؤ الصارخ مع جرائم الإبادة، تكشف حدود الخطابات الليبرالية التي طالما قدمت نفسها كحاملة لقيم كونية. هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يمكن بناء نقد جذري للنظام القائم دون إعادة التفكير في الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها؟ وهل يكفي التحليل المادي وحده، أم أن هناك حاجة لإعادة وصل هذا التحليل بسؤال المعنى والقيمة؟
هذه الأسئلة تتقاطع مع نقاشات أخرى يفتحها العدد حول الدولة، والإمبريالية، وحدود مشاريع التحرر الوطني. في لحظة تتعرض فيها غزة للإبادة، وتتسع رقعة الحرب إقليميًا، يصبح من الضروري تجاوز القراءات التي تختزل الصراع في مستوى جيوسياسي ضيق، أو تلك التي تراهن على “استقلال وطني” منفصل عن البنية الاجتماعية التي تعيد إنتاج التبعية. لا يتعلق الأمر هنا بالمزايدة الخطابية، بل بمحاولة جادة لفهم شروط التحرر الفعلي، وحدود الأوهام التي رافقته تاريخيًا.
وفي خلفية كل ذلك، يظل سؤال البيئة حاضرًا، ليس كملف منفصل، بل كجزء من الأزمة العامة للرأسمالية. التدمير المتسارع للطبيعة، المرتبط بمنطق التراكم اللامحدود، لم يعد تهديدًا مستقبليًا، بل واقعًا قائمًا. ومعه يتعمق شعور الاغتراب، حيث يجد الإنسان نفسه منفصلًا عن نتاج عمله، وعن مجتمعه، وعن البيئة التي يعيش فيها.
لا يدّعي هذا العدد تقديم إجابات نهائية. بالعكس، هو محاولة لفتح أسئلة، وربط خيوط تبدو متباعدة، لكنها في الواقع تنتمي إلى بنية واحدة. ما يجمع بين أزمة السكن، وهشاشة العمل، وخطاب الكراهية، والانهيار الأخلاقي، والتدمير البيئي، هو منطق واحد يحكمها جميعًا.
نكتب هذه الافتتاحية ونحن ندرك أن التحليل وحده لا يكفي. لكن من دون فهم واضح لطبيعة اللحظة، تصبح كل محاولة للتغيير محكومة بالتكرار أو الهزيمة. لهذا، يظل الرهان الأساسي لهذا المشروع هو المساهمة في بناء وعي نقدي، لا يكتفي بوصف العالم، بل يسعى إلى تغييره.
هذا العدد، إذن، ليس خاتمة لنقاش بدأ، بل محطة ضمن مسار أطول. مسار نأمل أن يتسع، لا فقط في عدد المشاركين فيه، بل في عمق الأسئلة التي يطرحها، وجرأة الإجابات التي يحاول أن يقترب منها.


